الأحد 04 يونيو 2017 م - 9 رمضان 1438 هـ

زكريا رمزي يكتب: مات أبى ... فماتت الحياة

زكريا رمزي يكتب: مات أبى ... فماتت الحياة
2017-05-13 15:27:36

حين تجد أبيك ممددا فاقدا للحياة فسوف تعلم حينها أنك فقدت السند ، فقدت العائل والهوية وتسلمت شهادة الغربة فى الحياة ، حينها لا تفوت الفرصة وأنظر فى عينى أبيك المغلقتين وتأملهما جيدا فهما اللتان كلتا من أجل توفير حياة أفضل لك.

وهما اللتان كانت تضعك فى المرتبة الأولى من الاهتمام والرعاية  . تأمل التجاعيد التى تكسو وجه أبيك وهى التى رسمها الزمن فوق جبينه لكى يجعلك ذو وجاهة فى الحياة  ، كل خط من هذه التجاعيد هو شريان حياة كان يصل لك به الحب والحنان والامان.

تأمل جيدا هذا العظيم فهى اللحظة الأخيرة للقائكما والنظرة الأخيرة على هذا الجسد النحيل الذى حمل كل أوزارك فى الدنيا وتحمل كل أخطائك وصحح مساراتك المعوجة ، انك أمام موقف عظيم وجلل فها هى أسطورة حياتك تنتهى أمامك فهذه اللحظة تختصر الحياة كلها وتستجمع فيها كل لحظات الذكريات بينك وبين هذا المعلم ، تقابلك كثيرا معه مسبقا وستتلاقى كثيرا بعد ذلك.

لكن أقوى المقابلات على الاطلاق هى هذا اللقاء ، لقاء لا يمكن وصفه فهو متسع باتساع العمر كله وضيق بضيق هذه اللحظة الفارقة من العمر ، ستتأمل اسمك ستجده قد تعرى لأنه فقد السند وصار وحيدا بلا غطاء يحميه ، وستتأمل مستقبلك ستجد نفسك أنك ستكمله منفردا حتى ولو صاحبتك كل البشرية ، وستتأمل ماضيك وتشتاق للحظة توجد فيها مع أبيك ، تجلس تحت أقدامه ، ترضيه بكل الطرق ، كبيرا كنت أم صغير ، ستتغير حياتك حتما بعد هذا الموقف . ستشتاق كثيرا لسماع صوته ولكن سيظل الاشتياق بلا أمل حتى ولو فى الاحلام .

سيعود بك الزمن الى الوراء لتتأمل مواضع ومواقف الشقاء التى تقلدها أبيك لا لشىء الا لكى يوفر لك الحياة الكريمة ، ستدخل فى التفاصيل وستجده انه كان يزود عنك الكثير ، ويعطيك مما كان يحرم منه نفسه ، حتى ولو كان أبيك فقيرا سيشعرك بأنك أغنى الأغنياء كى يجعل منك هذا الشخص الذى لا يتمنى أن يكون أفضل منه .

وعندما تودع أبيك الى موطنه الأخير ستعرف وقتها أنك تودع الحياة الجميلة الى مثواها الأخير وستشاهده وهو ممدد فى القبر ويغلق عليه ستشعر ان ابواب الحياة تغلق وتنفتح أبواب الحزن واليتم والغربة فى الحياة التى ضاع منك سندك قبل قليل .

ابيك الذى حجب عنك غدر الزمان سنوات طويلة ها هو يذهب الى طريق الأرض كلها ليجعلك فى مواجهة مع ما كان قبلا يتلاقه عنك ، فستجد الدنيا أمامك بلا درع يحميك أو عقل يهديك الى الطريق الصحيح .

أبيك الذى دعا لك ربه سرا وجهرا  قبل أن يدعو لنفسه هو أنت تدعو له اليوم بعدما عرفت كم الخسارة التى منيت بها ، فمنذ أن كنت طفلا وأنت فى رحابه تدور ، تفكر أحيانا أنه يمثل لك عائقا كى تنطلق فى الحياة ولكنك لا تعلم أنه يشكل لكنك حصنا عن اخطار الحياة .

فثق فى انه عندما يوبخك أبيك فهو لا يكرهك ، وعندما يضغط عليك فهو يتمنى لك الأحسن ، وعندما تراه صامتا فهو يفكر بمستقبلك ، وعندما تراه يتنهد فأعلم أنك أنت السبب ، وعندما تراه يضحك فأعلم أنك أنت من أسعده ، وعندما تراه قاسيا فاعلم أنك لا تتبع نصيحته وعندما يغلق على نفسه باب غرفته فاعلم أنه يبكى ، وعندما ترفع صوتك عليه أعلم أنك تقتله ، وعندما تراه ممد على الفراش  لا يتكلم فاعلم انك فقدت سندا عظيما وكسبت فراغا لا تملأه الذكرى .


 

أُضيفت في: 13 مايو (أيار) 2017 الموافق 16 شعبان 1438
منذ: 22 أيام, 2 ساعات, 35 دقائق, 24 ثانية
0
كلمات مفتاحية زكريا رمزى

التعليقات

14933
  • مواعيد مسلسلات
  • إمساكية رمضان
  • كيف تخفف آلام المعدة
  • ملف أسعار رمضان
الأزهر
الاسكان بحر البقر
أحمد سعيد
جميع الحقوق محفوظة ©2017 جريدة المصرية - جريدة المصرية